Scroll To Top
FLASH
  • Pour toute information (ou demande) concernant la version papier de "Liberté" écrire à : info@liberte-algerie.com

LIBERTE عربي / Actualités

النص الكامل لمساهمة الدكتور سعيد سعدي

الشعب والجيش: سوء التفاهم التاريخي


ما كان أن يحدث، حدث هذه الجمعة، بفضل قائده الأول وعبره، وجد الجيش نفسه في وسط المعركة، يقابل الشعب، أسابيع تلو أسابيع، أصبحت الظاهرة مؤكّدة.

تناقضات رئيس الأركان تتوالى، إنّ الترتيبات الشاقة الرامية لإضفاء الشفافية والانسجام لخطاباته لم تمنع إعادة صياغة إعلانات طائشة بقيت، لحد الساعة بلا جدوى على المواطنين المعنيين بها، من وراء هذه المماطلات؟ تقف طبعا المفاجأة والتسرع والغضب الشكوك في ما قد تفرزه الأيام من وضع غير متوقّع عند أشخاص تعوّدوا على أن تُطبّق فورا كل أوامرهم، ولكن هل هذا كلّ ما في الأمر؟.

من البديهي، أنّ فهم أي حركة تاريخية يحملها جيل أنكرت له السلطات العمومية أيّ قدرة تحرّر، أمر غير وارد لدى صنّاع القرار، وتشكّل قلّة الفهم هذه، عند الجيش، عامل خطر جدّ حرج.

واقعيّا، تأخذ الانتفاضة الشعبيّة والقيادة العسكريّة مساران متوازيان، إنّ لغة الخشب التي يتكلم بها الموالون، والذين سرعان ما ينقلبون، يقدّمون الجيش الوطني الشعبي، سليل جيش الحدود، كعاكس مثالي وكامل للشعب.

إنّ المواجهات الداميّة التي أدّت في 1962 بجيش التحرير الوطني إلى دفن آخر شهدائه أمام وحدات جديدة وجدّ مسلّحة وصلت من تونس والمغرب، لم تُذكر ولكنّها لن تُنس أبدا، إنّ هذا (الانتصار) وثّق نظام الحرّاس الذين يؤمنون بحق فرض القوّة على الأمّة، وحدهم المستفيدون من عسكرة الحياة العامة يؤمنون بخرافة الجيش الوصيّ كانبثاقٍ لإرادة الشعب.

إن التجاوزات التي يتحملها يوميا، والخوف الذي كبته لسنين طوال، والاختطافات التعسفيّة، والاغتيالات السياسية والعلامات الظاهرة للغنى غير المؤهّل، أسّست للفكرة الحقيقية التي يحملها الجزائري حول الجيش، إنّ الممنوعات التي فرضت الصمت على الآلام التي عايشها الشعب في رعب، اندثرت منذ 22 فيفري.

طبيعي أن يتمّ زعزعة مؤسّسة حكمت البلاد أكثر من نصف قرن دون استشارة أحد، من طرف شعب يعبّر بكل حريّة عن رأيه ويطالب بحقوقه، وهذا ما أدى إلى حوار الطرشان الذي يميّز العلاقة، أو بالأحرى، فقدان العلاقة بين الشارع ورئاسة الأركان.

لقد أدى تجاهل التهديدات المتكرّرة، الغضب والتهكّم اللذين تفرزهما الخطابات المزدوجة، ورفض الحلول المفروضة إلى تأجيج وزارة الدفاع التي لم تفهم بعد لماذا تهديداتها لا تؤثّر بتاتا على التعبئة الشعبيّة، وسبب عدم التلقّي هذا واضح، إنّ الخطب الرنّانة التي تلقيها المؤسسة العسكريّة غير مؤثّرة لأنها موجّهة لجمهور لم يعد له وجود.

إنّ جيش الحدود الذي تعوّد على مجموعة وطنيّة نزفتها الحرب، لم يعرفها هو، والذي شجعه مجتمع مضاد ظهر في سنوات التسعينات وتميّز بقتل الأبناء للأولياء والجيران، أوهم نفسه ثمّ اقتنع بضرورة الوصاية الأبديّة على شعب مُنع عنه بلوغ سنّ الرشد، لقد تجاهل عسكري ما بعد حرب التحرير، بخلطه بين الأسباب والآثار، أنّ غياب الحريّة يولّد دوما تراجعاً فكرياً ومادياً، وهو منزوٍ في محراب السلطة ومغمور بالقوّة التامة، نسي العسكري أنّه في كل بلدان المعمورة وفي كل الأزمنة، عرف هذا النوع من التسيير مراجعات حادة، وما يثلج الصدور هو أنّ يقظة الجزائري في هذه الأوقات المباركة لم تأت كصدى للعنف الذي تحمّله مع نهاية الحقبة الاستعمارية.

وبما أنّ مستوى المواطن الجزائري أرفع من مستوى المسؤول، وهذا بحد ذاته معجزة جزائرية، يتوجّب على الشعب مرافقة الجندي في مسار يوصله إلى مكانه الطبيعي: الثكنة، وهو أمرٌ يصبّ في صالح المؤسسة العسكرية.

إنّ المواقف الصارمة التي تليها مباشرة تراجعات مزريّة هيّ مؤشرات فقدان بوصلة أكثر منه تكييف استراتيجي، إنّ الجيش الجزائري يواجه تطلعاً ديمقراطياً لا يعرف التعامل معه، لأنه لم يتخيله يوماً ولم يطمح له أبداً.

لقد رأت المؤسسة العسكرية في كل النداءات الهامة التي وُجّهت لها لتسيير وتحكيم ومراقبة المرحلة الانتقاليّة، شيفرات غير قابلة للقراءة، وهذا ما يفسّر أجوبتها الغامضة من الناحية الاستراتيجية، والتي تمكّن كل موالٍ لها بتفسيرها بما يليق به وبمصالحه

أخذاً بعين الاعتبار الهواجس التي تسكن الرأي العام منذ بداية الانتفاضة الشعبية، حاول كاتب هذه الأسطر التحذير من المأزق الذي قد يؤدي إليه حتما تفعيل المادة 102 وبعدها، التحذير من مغبّة وضع المؤسسة العسكريّة في الصف الأمامي مقابل الانتفاضة المدنية. ولكن لم تلق التحذيرات تجاوباً إيجابياً.

يبدو أن مسؤولي الجيش لم يأخذوا العبرة من الهاوية التي ابتلعت بوتفليقة، والأخطر أنهم يستعملون نفس الحيل التي قد تجرّهم نحو نفس العقبات، نعرف كلنا أنّ رئيس الدولة المخلوع تجرّأ الذهاب لعهدة خامسة قبل محاولة تمرير عهدة رابعة لينتهي به الأمر إلى تفخيخ الخروج من الأزمة باتخاذ قرارات خبيثة أدت إلى تأجيج جذرية الانتفاضة، إنّ الوضعية السياسية والقضائية التي يتخبط فيها حالياً رجل وجدة، لم تلهم على ما يبدو هؤلاء الذين أرغمهم الشارع على التنصّل منه.

بدل التفاعل في الوقت المناسب وبالتوافق مع الوقت غير المألوف من تاريخنا، قرّرت رئاسة الأركان اللعب خارج الميدان وتريد تنصيب نفسها كقاضٍ لتشتيت الانتباه بهدف الحجب والتشويش على المطالب الشعبية، تقسيم الحراك، تصفية حسابات وتعفين مشكلة الفساد بالخلط بين الأنواع والفاعلين.

إنّ توقيف يسعد ربراب والاخوة كونيناف في نفس اليوم، وهما طرفان لا يتشابهان في الممارسات والعلاقات والمواقف، هو ارتباك دنيء يصبو لتحييد الثورة التي يضرب بها المثل في العالم، عبر مناورات إعلامية وعلى خلفية تسخير العدالة.

إنّ أول ضحية لهذه العملية الحقيرة هو رئيس الأركان بنفسه، بحكم استشارة ناقصة أو خاطئة، أصبح المسؤول الأول على الجيش ، ومنذ نهاية هذا الأسبوع، هدفاً مفضلاً لدى المتظاهرين، بقليل من الحنكة، كان بإمكانه تجنّب هذا الشرف الحزين.

ويمكن القول أن هذا الأمر قد يتعقّد أكثر إن واصل خرجاته الإعلامية الدائرية، في زمن الثورة، يصبح الوقت أكثر قيمة ويجب معرفة عدم تضييعه في مناورات عقيمة، المخرج الذي يكون صالحاً هذا اليوم لن يكون كذلك غداً، كل الاستراتيجيين يعلمون هذا، ففي وقت التقلبات الكبرى للتاريخ ، يكون انكار الحقيقة أكثر ضرراً من عدم الكفاءة.

إنّ الرهان على ضعف الحراك بالتخمين حول آثار رمضان، أو ما تسببه الحرارة القادمة مؤشر على حالة الانطواء والتوحدّ التي يتميّز بها المسؤولون غير الشرعيون الذين يمنعهم الكبرياء والجنون من أخذ العبر من التاريخ.

لقد تمنى جبابرة آخرون، أخذتهم العزة بالنفس واقتنعوا بتفوقهم التكنولوجي، لو رأوا رعداً في سماء صافية عندما جابهوا زلزالاً كونيا يوم الفاتح نوفمبر 1954.

إنّ ريح الحرية التي تهبّ حالياً على الجزائر هي بطبيعتها نفس الريح التي أزاحت النظام الاستعماري، ولو كانت طرق التعبير ليست ذاتها.

حقيقة، لم يتم حل كل المشاكل، إنّ هيكلة الانتفاضة الشعبية أصبحت ضرورة عاجلة. يجب علينا عقلنة نقاشاتنا، ووضع رزنامة لتجسيد الروح المحرّرة للرسالة الضخمة عبر اقتراحات هيكلية واجتماعية مناسبة.

والجدير بالذكر أنّ ثورة 22 فيفري، وبغض النظر عن مآلها الحالي، ثورة مدوّنة في سجل التراث العالمي للملاحم السياسية العظيمة. وهذا شيىء يعلمه الشعب، والشعب السيّد هو أولاً تعبير وتأكيد لإرادة الشعب، وهو الذي يقود الجندي وليس العكس.

إنّ تحرير الجزائري مرّ من مرحلة الانتفاضة إلى مرحلة الثورة، يوم تمّ التأكيد في أوت 1956 على مبدأ أولوية السياسي على العسكري، وقُدّر أن ننتظر 63 عاماً كي يحكم التاريخ بالحق.

بقلم: سعيد سعدي


ARTICLES CONNEXES


Publier votre réaction

Nos articles sont ouverts aux commentaires. Chaque abonné peut y participer dans tous nos contenus et dans l'espace réservé. Nous précisons à nos lecteurs que nous modérons les commentaires pour éviter certains abus et dérives et que nous pouvons être amenés à bloquer les comptes qui contreviendraient de façon récurrente à notre charte d'utilisation.

RÉAGIR AVEC MON COMPTE

Identifiant
Mot de passe
Mot de passe oublié ? VALIDER