Scroll To Top
FLASH
  • Pour toute information (ou demande) concernant la version papier de "Liberté" écrire à : info@liberte-algerie.com

LIBERTE عربي / Actualités

حركة 22 فيفري

(موعد مع التاريخ... تحت التهديد(مساهمة لسعيد سعدي

"الثورة الجزائرية لا تخضع للقاهرة ولا للندن ولا لموسكو ولا لواشنطن" * (مؤتمر الصومام، أوت 1956) (*) يمكن أن نضيف إليها اليوم: ولا لباريس.

 

إن المعجزة التي تتجدد سلميا كل أسبوع منذ 22 فيفري لا تنطبق عليها معايير السياسة بمفهومها الضيق. ولقد أثيرت تساؤلات حول عوامل انفجار هذه المظاهرات. وأيّا كانت الافتراضات والتخمينات، فإن هذا الزخم لا يزال إلى حد الآن يتحدى محاولات الاحتواء والمؤامرات وأصبح حراكا تاريخيا  يسائل التاريخ ضمنيا ليعيد قراءته من جديد.

ومن هذا المنطلق، ينبغي أن ندرك بأن هذه الانتفاضة لن تكون خطية ولا ثنائية. تميّزها عن بقية الانتفاضات تفرض التحلي باليقظة وبالبراغماتية والواقعية حاضرا، والانتباه في نفس الوقت إلى الآفاق البعيدة، مما يلزمنا أيضا باستقراء الماضي بكل حرية، إذا أردنا تفادي المطبات التي عطّلت مسيرة الأمة لأكثر من نصف قرن. ومثل ما حدث في سنوات حرب التحرير وفي محاولة الخروج من محنة العشرية السوداء، فإن هذه الملحمة ستتحقق وفقا لإرادة الجزائريين وحدهم، بخيرها أو شرّها.

التاريخ يعيد نفسه؟

لقد استطاع القادة السياسيون للجزائر المكافحة أن يحددوا منذ البداية مكامن الخطر التي يمكن أن تحوّل أي ثورة وطنية ديمقراطية واجتماعية عن مسارها، ولو أنهم لم يتمكنوا من التغلب عليها.

فبعد فرنسا التي رحّبت بالإعلان عن قرار بوتفليقة بالبقاء في السلطة قبل العدول عن موقفها، جاء دور موسكو لإدانة "محاولة لزعزعة استقرار الجزائر"... من قبل شعبها.

بمجرد إقرار مؤتمر جبهة التحرير الوطني الذي عقد في أوت 1956 أولوية المدني على العسكري. شرعت كل من مصر وفرنسا، لأسباب مختلفة لكن لغاية واحدة، في عملية استباق لمصير الجزائر. وحينئذ قام ديغول، الذي كان لا يزال معتزلا لكنه كان متشبعا بفكرة إفريقيا الفرنسية (Françafrique)، بالترويج لدور بن بلة الذي كانت أجهزته الاستخباراتية الاستعمارية قد كشفت عن محدوديته واضطراب شخصيته عندما كان جنديا ثم سجينا. أما عبد ناصر الذي كان يحلم بضم الجزائر إلى إمبراطورية عربية كان يرى نفسه سلطانا عليها، فقد وقع اختياره على من سيكون ممثله في قيادة جبهة التحرير الوطني أثناء الحرب وبعدها.

وبمساعدة جهاز "المالغ" الأخطبوطي الذي امتص معظم إطارات الثورة رغما عنهم في كثير من الأحيان، ظلت هذه الكماشة تشدد قبضتها بفكيها على الجزائر ولم تبرحها أبدا. وكان اغتيال العربي بن مهيدي على يد الجيش الاستعماري في فيفري 1957 واغتيال عبان رمضان في ديسمبر من نفس السنة على يد رفاقه الذين تحالفوا ضده في القاهرة في أوت 1957، أولى نتائج الأساليب والممارسات التي طبقت على الثورة الجزائرية وما زلنا نعاني من تبعاتها إلى اليوم. انتهت هاتان المحنتان عام 1962 بدخول جيش الحدود بقيادة بومدين بعد انضمامه إلى بن بلة، وإعلانه الحرب في صيف 1962 على جيش التحرير الوطني المستنزف.

منذ ذلك التاريخ، ظلت العقيدة الرسمية تسوّغ للطبيعة الاستبدادية التي قام عليها نظام جبهة التحرير الوطني بتزييف حقيقتين تاريخيتين. أولهما أن السلطة الجزائرية هي امتداد للكفاح التحرري، ولدعم هذا التزوير، قيل عن الجيش الوطني الشعبي أنه سليل جيش التحرير الوطني بينما كان جلاّده.

عندما تستهل أي أمة فتية حياتها بإنكار للواقع أضف إليها انتهاك للشرعية المؤسساتية (الإطاحة بالحكومة المؤقتة)، فليس من المستغرب أن تطبع نشأتها ونموها انحرافات كبيرة. فالنقاش الذي أوقف في عام 1957 ودفن في عام 1962، يجب أن يعاد فتحه، ليس لاستكماله وإنما لتجاوزه.

واليوم، فإن تهديدات شبيهة بتلك التي حرّفت وصادرت وابتذلت الاستقلال تحدق بحركة 22 فيفري.

لقد نجح الشعب الجزائري بكل فئاته الاجتماعية وعبر جميع أنحاء البلد، في تنظيم مظاهرات غير مسبوقة في تاريخه المعاصر، من خلال انتفاضة شعبية وسلمية وحديثة واحتفالية وعازمة على إنهاء نظام حكم تجاوزه التاريخ. بالتزامن مع ذلك، أعطى المواطن الجزائري صورة عن البلد تمحو ـ دون أن تنسيها ـ تلك السنين التي انجرت خلالها قطاعات كاملة من المجتمع نحو عنف أعمى أوحت بأن تلك الهمجية كانت كامنة في شعب بنى نفسه على أنقاض العنف الاستعماري الذي استعبده.

ولقد أعطت مشاركة المناضلين الأكثر مقاومة للنظام القائم زخما كبيرا للحركة، مؤكدة على الدلالة السياسية العميقة التي تعرفها اليوم.

حاول النظام بهيئاته التنفيذية وأبواقه الإعلامية لعدة أسابيع حصر الحراك الشعبي في رفض العهدة الخامسة، مما يوحي بأن ترشيحا آخر من داخل سرايا الحكم، كان سينهي المشكلة. ومن هنا، انتزع فتيل أول فخ قاتل. والافضل في ذلك يعود للذين كشفوا عن الجوهر السياسي لإرادة المواطنين.

ماذا بيّنت المظاهرات الشعبية؟ هذا التعبير الحضاري، وهذا الاختلاط الاجتماعي وهذا التضامن المدعوم بجو التسامح الملحوظ الذي يسمح للعلم الوطني بمجاورة الراية الأمازيغية، كل ذلك كان كامنا في النفوس. وإذا كان هذا الانسجام الاجتماعي غائبا في الماضي، فذلك لأنه كان مرفوضا من قبل دولة بوليسية عسكرية أو مكتوما من قبل مجتمع جعلته السلطة يشك في نفسه. كان التطلع إلى الحرية والعطاء والجمال والفكاهة قد طمسه الصمت والخوف والقبح، بسبب الخيارات القاتلة التي اتخذت لكتم أنفاس الحياة والديمقراطية التي تضيء شوارع الجزائر.

هذه المكاسب ستؤثر، بطريقة أو بأخرى وأيّا كانت نتيجة هذه الهبة، على ما سيليها من أحداث.

البوليس السياسي، سم التاريخ

هل يمكن القول مع ذلك أن ما قد يرجى من هذا التحوّل الذهني والثقافي والمجتمعي الإيجابي سيأخذ مجراه حتما على طريق الممكن؟ يجب أن نرجوا ذلك، ونجنّد كل ما يمكن تجنيده إنسانيا حتى يتحقق ذلك، من دون التستر عن الصعوبات التي بدأت بالظهور وتلك التي ستظهر وهي لا تزال في الباطن. من بين التهديدات المباشرة، هناك تدخلات البوليس السياسي التي تنشط بشكل خاص على شبطة الأنترنت وفي أوساط الجماهير. إن الاستغلال المكثف لشبكات التواصل الاجتماعي واقتناء تجهيزات متطورة لإغراق شبكة الإنترنت بالأخبار الكاذبة والتشهير وتحويل حسابات المدونين الأكثر نشاطا في الاحتجاجات، قد أربك فعلا الرأي العام. ومن نتائج ذلك أن الدعوات والمناقشات المتمحورة حول قضايا مثل التناوب النظامي بدلا من التدوير العصبي الذي تشير إليه الشعارات المبهمة التي أغرقت بعض هيئات التحرير، تأخر ظهورها كثيرا.

ومع ذلك، فإن العملية أظهرت حدودها لأن أحطاب الوضع الراهن كانت يابسة جدا وشرارات التغيير تحولت إلى لهيب ينشد أملا لم يعد قابلا للاختزال في رفض العهدة الخامسة. فقد وصل انفجار الحركة حدا أسقط استعمار شبكة الإنترنت، بحيث أن العالم الحقيقي صار أقوى وأشد من أن يطغى عليه الواقع الافتراضي. وبعد أن خسرت معركة تلويث الأنترنت، تحاول أجهزة الاستخبارات تدارك الموقف باختراق الميدان.

يعتبر رفع شعار "الشعب هو البطل الوحيد" أحد العلامات المسجلة للمستبدين الذين منحوا أنفسهم الحق في التفكير والتصرف نيابة عن الشعب. لأن بهذه العبارة، برر الرجال الذين انتظروا على الحدود نهاية الحرب برروا انقلابهم على الحكومة المؤقتة وطمس الشخصيات والأحداث البارزة التي رسمت للثورة الجزائرية هياكلها وأعطتها معنى. في جو آخر، وبأسلوب أدهى من ذلك، رأينا رجالا متنكرين بمبلاس فلاحين يحملون لافتات كتب عليها "لا صومام، لا إيفيان، نوفمبر هو البيان".

يتضح إذن أن أولوية المدني على العسكري، التي تشكل عقدة المأزق الجزائري، ليست على جدول أعمال البوليس السياسي الذي لم ييأس من ثني بل وحتى من كسر مسار تجدد الحركة. لكن هناك ما هو أخطر. عرفنا الآن أن الذين تسببوا في رفض أو طرد القادة السياسيين، أو بتعبير أدق الذين بادروا بذلك، هم عناصر من جهاز المخابرات.

على أي أساس يمكن لأي مواطن أو حتى مجموعة من الأفراد أن يجيزوا لأنفسهم حق إقصاء شخصية معارضة من المسيرات؟ السؤال لا يطرح حول طبيعة المسارات السياسية لهؤلاء وأولائك، لاسيما وأنها لم يشهر بها ولكل منهم حرية التفكير في ما يريد. والسؤال المطروح هو كيف يعقل أن تُطرد امرأة أو رجل سياسي من المعارضة  في تجمع يهتف فيها الناس "شرطة، شعب خاوة خاوة"، علما بأنهم كمواطنين هم مطالبون بالانضمام إلى الاحتجاجات ضد السلطة. مما لا شك فيه أنه لو أن نفس هؤلاء الأشخاص قرروا البقاء بعيدا عن المتظاهرين، لسارعت نفس الأجهزة إلى شبكات التواضل الاجتماعي للتنديد بـ"قادة يسترخون في القصور بينما الشعب يصارع ضد الطغاة". والأدهى من ذلك والأمر أن نفس الدوائر هي التي تحاول دعوة ...الأفلان والأرندي إلى الشارع!

لذلك لابد من تحييد هؤلاء البلطجية بنفس السرعة والحزم اللذين اتسمت بهما ردود الفعل التي أحبطت الجماعات الصغيرة التي حاولت إطلاق بعض الشعارات الإسلامية.

التاريخ ليس مؤامرة

لماذا يلجأ النظام الذي يسلك سلوكا صبيانيا إلى تحريك أزلامه لعزل أحزاب المعارضة؟

تعرف السلطة أن حصيلتها تدينها بشكل لا يقبل الطعن، لهذا تعمد دائما على خلط المفاهيم والطعن في المعارضة والمعارضين. كقولهم أن الكل في السياسة سواسية. فالجلاد يستحق الإدانة، لكن ضحيته أيضا تستحق مصيره. وبالإسقاط على ما يجري اليوم، يجرّنا ذلك إلى الاستخلاص بأن الحركة يجب أن تبقى بلا صوت ولا أهداف سياسية.

الوصفة قديمة، تذكّرني بحكاية تعود إلى ربيع عام 1980. بعد احتجاز المعتقلين الـ24 بمعزل عن العالم الخارجي وتعذيب بعضهم لعدة أسابيع في مقر الأمن العسكري، مثلوا أمام محكمة أمن الدولة بالمدية. لكن فشل الدعوات للتوبة أجبر السلطة على تعريض نفسها للمحاكمة في بلد ينفي دائما وجود معتقلين سياسيين. لتبدأ بعد ذلك تلاعبات تذكّرنا كثيرا بما يحاك اليوم. وكان من بين المعتقلين في البرواقية مناضلون حزبيون وطلبة. دخل رجال المخابرات إلى السجن في محاولة لاختراق السجناء الأقل تمرسا. كانت نصيحتهم لهم كـ"شباب وأبرياء" أن يبتعدوا عن السياسيين "الطامعين في الوصول إلى السلطة". لكن نضج غالبية الطلبة وحكمة المناضلين الذين تمكنوا من الحفاظ على هدوئهم أمام الذين أرادوا إغراءهم والتغرير بهم، أفشلا المناورة.

وفي زمن أقرب إلينا، تم اختبار هذه الممارسة بنجاح للأسف، وكان ذلك خلال حركة المواطنين عام 2001. فقد تم أولا تكليف قيادات وهمية بتوجيه ضرباتهم للمعارضة، حتى وإن اقتضى ذلك التغاضي عن أولئك الذين أطلقوا الرصاص وقتلوا 126 متظاهرا شابا خرجوا إلى الشوارع بصدور عارية. وخاتمة الأحداث معروفة، وهي أن حركة ما يسمى "الربيع الأسود" تفكك وانحل في الولائم والمأدبات  التي نظمها شخص يدعى... أحمد أويحيى. نفس الحيل والخدع تحوم في عام 2019. ومعها تتزايد عمليات الاختراق. أصوات انتقلت إلى معارضة تقرّ بأن السلطة تمارسها "قوى غير دستورية". ما االغربي في ذلك؟ إن أكبر قوة غير دستورية هي البوليس السياسي. لا يجرؤ أحد من الأوليغارشيا وأجهزة السلطة انتهاك القانون بشكل مستمر إذا لم يحظ بحماية أو تحفيز من قبل الأجهزة الموازية، الذراع السياسي للجيش. فنحن نشهد عدة مناورات تسعى فيها شبكات دائرة الاستعلام والأمن القديمة الموالية للجنرال مدين، لمعاودة الاتصال بالهياكل الاستخباراتية النشطة استعدادا للسطو على الحركة من خلال فرض ليامين زروال الذي علقت صورة عملاقة له على أحد المباني يوم الجمعة في ساحة أودان. سواء كان ذلك اختيارا خاطئا أو بالون اختبار، فمن السابق لأوانه القول ما إذا كان رئيس الدولة السابق سوف يسمح بالانجرار وراء لعبة المغازلة التي تلعبها المخابرات.

في غضون ذلك، استدعيت كتائب من الإسلاميين الذين كانوا قبل ذلك بعيدين عن الأنظار، لنفث شعاراتهم السامة بشكل تدريجي على أمل أن تأكل الأغلبية طعم الخطر الأصولي الذي نجح جيدا في سنوات التسعينات.

ولقد شاهد مراقبون جديرون بالثقة محافظا للاسعلامات العامة، رافعا لافتة مكتوب عليها "النظام إرحل" وهو يتقدّم مظاهرة في محاولة لتوجيه مسارها. كل هذه الوقائع ـ عندما تسرد كلّ على حدة  أو تضاف إلى أخرى ـ، قد تبدو أشبه بنوادر. لكن عندما تصنف وتحلل بأساليب وأدوات البوليس السياسي، فإنها تتحول هنا إلى استراتيجية.

النظام الجزائري عاجز عن استيعاب حقيقة، وهي أن هناك مؤامرات في التاريخ، لكن التاريخ لا يمكن اختزاله في مؤامرة. ذلك أن اللجوء المهووس للتلاعبات والدسائس لإدارة شئون الجزائريين يشكل خطرا كبيرا. فالسلطة ليست فقط عاجزة عن حل المشاكل التي أوجدتها، بل لا تقدّر حتى حجم وطبيعة العمل الذي ينتظرنا.

ما العمل؟

ما من حركة، مهما كانت قوتها وجذوتها، تستطيع الاستمرار طويلا إن لم تتوفر على حد أدنى من التنظيم. يبقى أن نبحث عن النموذج التمثيلي الأنسب للفترة والمطالب الحالية. سمعنا هنا وهناك نداءات بعضها موجّه، تدعوا هذا أو ذاك لتولي قيادة هذه الانتفاضة المواطنة لتحويلها إلى ديناميكية حزبية. وهذا خطأ. لأن نجاح هذه الحركة نابع من كونها توحّد بين كل الحساسيات والتيارات الإيديولوجية الموجودة في البلد. لذلك من العبث البحث عن سبيل لمنحها تجانسا برامجيا أو عقائديا.

صحيح أن الرسالة التي وجهها الشارع هي " النظام إرحل"، وهي رسالة سياسية بامتياز. لذلك ينبغي علينا أن نوفر أنسب الوسائل التنظيمية لإنجاح هذا الطور الأول، وهو أيضا شرط أساسي لأي تعبير سياسي حر.

يجب أن تكون الغاية الوحيدة من التنظيم الضروري والعاجل لهذه التعبئة هو تعيين الأشخاص الذين يتعين عليهم نقل التعليمات المتعلقة بالإجراءات الواجب تنفيذها وكيفية تنفيذها من الأعلى إلى أسفل وفي الاتجاه المعاكس، وذلك في الأحياء والقرى والجامعات والمصانع والإدارات. وبطبيعة الحال، يجب أن تكون لهذه الهيكلة تنسيقيات جهوية ووطنية.

فإذا تم التعرف على الأشخاص لتلقي نداءات أو إرسالها قبل المظاهرات، وإذا عرف المؤطرون بعضهم بعضا بإشارات مميزة لتوجيه المسيرات، فإن المشاكسين سيجدون صعوبة أكبر في اختراق أي مظاهرة أو التشويش عليها. لأن الاعتماد الحصري على شبكة الانترنت، التي استثمرت فيها السلطة، كما رأينا، موارد بشرية ومادية هائلة لتعطيل الرسائل أو تحويلها والتشويش عليها، يمثل خطرا كبيرا على المدى القصير.

إن تحليل الإشارات التي ترسلها السلطة إلى المجتمع الدولي يبيّن أنها تراهن على استزاف الحركة مع العمل إحداث الثغرات فيها والتي سوف تفاقم الاختلافات في التعبير إذا ما بقي الوضع على حاله وظلت الحركة من دون تأطير.

تسعى الجزائر جاهدة للتأكيد على أن الحركة احتجاج سلمي، وأنه من غير تنظيم ولا أهداف واضحة، بالإضافة إلى أن المعارضة، التي من المفترض أن تمثل بديلا، مرفوضة. وكلف مبعوثون للتوضيح بأن النظام قادر على حل التوتر تدريجيا بفضل تدابير تكتيكية لضبط النفس ومقترحات من شأنها تجنب حدوث فراغ في السلطة يشكل خطرا على البلاد ومحيطها. من المرجح أن يصغى لهذا الاقتراح، حتى من قبل الشركاء الذين يعرفون كما نعرف نحن طبيعة النظام المفترسة والمهددة. من الصعب أن نجد مصداقية لديناميكية تعلوا فيها أصوات ساذجة أو موجهة تقول " من يريد أن يحاورنا فلينزل إلى الشارع".

إن التظاهر أو الإضراب أو أي شكل آخر من أشكال الاحتجاج هو وسيلة وليس حلا. إن غاية الحركة ليست الدفاع عن برنامج سياسي، وإنما الاستمرار في التعبئة حتى نهاية الفترة الانتقالية لإقرار مبدئين أساسيين:

- تكريس أسس ديمقراطية واضحة وغير قابلة للمراجعة يلتزم بها كل متنافس،

- وضع قواعد تسمح للشعب الجزائري بالتعبير عن نفسه بحرية من أجل تعيين ممثليه لأول مرة في تاريخه.

إذا نجحت حركة 22 فيفري في ضمان هذين الشرطين الأساسيين، فستكون قد أتمت مهمتها بنجاح، بعدما يكون هناك إجماع على الهيئات التي ستقود الفترة الانتقالية.

من الظل إلى النور

إننا نعيش لحظة تاريخية مميزة. إذا نجحنا في ترجمة ميلاد هذه الجزائر الحديثة والتعددية على أيدي شبابنا وتقنينها مؤسساتيا، فسنكون قادرين على دخول التاريخ الذي طردنا منه في أعقاب الحرب. لكن، إذا حدث وأن استعادت قوى الظلام المبادرة، فسوف تعود الاحتجاجات في غضون عام أو ثمانية عشر شهرا على أقصى تقدير. كل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية التي لا يتحدث عنها أحد لا تبعث على الاطمنئان. وفي غياب سلطة محترمة وجديرة بالاحترام، سيكون من الصعب احتواء الإحتقانات. حينها ستكون كلمات "سلمية" أو "تالويت" التي ازدهرت طوال هذا الربيع المبكر أشبه بالبدع وسيتم التعبير عن السخط والإحباط بطرق مدمرة.

كلمة أخيرة لرجال الظل الذين لديهم، هم أيضا، فرصة فريدة للتكفير عن ذنوبهم. وإذا كان في حياة هذا الجهاز قد أغلق أبواب التاريخ مرات كثيرة كلما بزغ بصيص من الأمل، فإن هناك رجالا قاموا ليعبّروا عن يرغبون في خدمة شعبهم بدلا من إخضاعه لجهازهم. منهم قدماء المالغ الذيم نددوا بـ"النظام الذي أدرك حدوده". أفليس من حقنا أن نؤمن في زمن المعجزات هذا أن يأتي يوم يسمع فيه السلف لكلام الخلف؟

 

سعيد سعدي

ترجمة: م. عاشور

 


Publier votre réaction

Nos articles sont ouverts aux commentaires. Chaque abonné peut y participer dans tous nos contenus et dans l'espace réservé. Nous précisons à nos lecteurs que nous modérons les commentaires pour éviter certains abus et dérives et que nous pouvons être amenés à bloquer les comptes qui contreviendraient de façon récurrente à notre charte d'utilisation.

RÉAGIR AVEC MON COMPTE

Identifiant
Mot de passe
Mot de passe oublié ? VALIDER